أبي هلال العسكري
21
جمهرة الأمثال
وقال آخر : إنّ بين التّفريط والإفراط * مسلكا منجيا من الإيراط قال الشيخ رحمه اللّه : أي من الهلكة . والإفراط مذموم في كلّ شيء ؛ فمن أفرط في المدح نسب إلى الملق ، أوفى النّصيحة لحقته التّهمة . وقيل : « كثير النّصح يهجم بك على كثير الظّنّة » ( م ) وإذا أفرط في سرعة السّير قطع به . وقال النّبى صلى اللّه عليه وسلم : « ألا إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ؛ فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى » « 1 » . والعرب تقول : « شرّ السّير الحقحقة » ( م ) وهي شدّة السّير . وقال المرّار : نقطّع بالنزول الأرض عنّا * وطول الأرض يقطعه النّزول « 2 » وإذا أفرط في الأكل والشّرب سقم ، وإذا أفرط في الزّهد منع نفسه ما أحلّ له فعذّبها من حيث لو نعّمها لم يضرّه ، وإذا أفرط في البذل كان مبذّرا ، وأرجع الأمر « 3 » إلى الفقر ، وإذا أفرط في المنع كان بخيلا يذمّ بكلّ لسان ، ويحتقره كلّ إنسان ، ويشبّه بالكلب في دناءة نفسه وقصور همّته . ولا يدخل الإفراط شيئا إلّا أفسده . أخبرنا أبو أحمد ، قال : أخبرنا أحمد بن أبي بكر ، قال : سمعت أبا العبّاس المبرّد يقول : خلال الخير لها مقادير ، فإذا خرجت عنها استحالت ؛ فالحياء
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير 1 : 172 عن البزاز عن جابر ، وروايته : « إن هذا الدين . . » ويقال للرجل إذا قطع به في سيره ، وعطبت راحلته : قد انبت ، من البت وهو القطع ، وانظر نهاية ابن الأثير 1 : 58 . ( 2 ) ص ، ه : « وراجع » . ( 3 ) ص ، ه : « وقال المبرد : كان يقال : خلال الخير . . . » .